واصف جوهرية

مقدمة 30

القدس العثمانية في المذكرات الجوهرية

خلف راغب بك النشاشيبي حسين أفندي في رئاسة البلدية ( بعد نوبة وجيزة لإسماعيل الحسيني ) . وكان راغب عازف عود هاويا وشخصية بارزة في المجتمع . وقد استأجر واصف ليعطيه ، هو وصديقته أم منصور ، دروسا في العود والغناء . ولمكافأته ، تدخل كي يدرج اسم واصف في جدول مرتبات مكتب الضرائب ، بمرتب شهري قدره 20 جنيها مصريا . وفي نهاية كل شهر ، كان واصف يذهب إلى دائرة الريجي لقبض راتبه ، من دون أية مهمات أخرى مترتبة عليه . وهكذا بدأ سلسلة من الوظائف القائمة على الرعاية . فروابطه الخاصة بآل الحسيني ( ولاحقا بآل النشاشيبي ، الذين تقلدوا مكانا بارزا بقدوم الحكم البريطاني ) ، ساعدته على الاستمرار في مهنته كموسيقي ، بينما كان يحافظ على دخل ثابت من الخزينة العامة . وهكذا يبدو أن نظام الالتزام والتضمين الذي كان سائدا في النمط الزراعي هيمن أيضا على التوظيف الحكومي . وكانت الفترة العثمانية تقترب من نهايتها . وفيها دخل واصف سن البلوغ ، لكنه لم يبلغ رشده إن جاز التعبير . لقد غلب عليه ما سمّاه " فترة الفوضى التامة في حياتي " . وفي الأساس كان يعيش كصعلوك ؛ ينام طوال النهار ، ويحتفل طوال الليل . " كنت أذهب إلى البيت فقط لتغيير ثيابي ، وأنام في بيت مختلف كل يوم . وكان جسدي منهكا تماما من الشرب وحياة الليل . ففي لحظة أنا في محلة باب حطّة . . . في الصباح أتتره مع أبناء عائلات الأعيان المقدسية ، وفي اليوم التالي أقيم حفلات ماجنة مع الصعاليك والأشاوس في أزقة البلدة القديمة . وكان مصدر رزقي الوحيد هو راتبي من دائرة الريجي ، الذي رتّبه راغب بك " . وعندما كانت أمه تتذمر من عودته إلى البيت متأخرا في الليل ، كان يرد بالقول المأثور : " من طلب العلا سهر الليالي " . مقهى جوهرية يدخلنا جوهرية إلى وسط اجتماعي مقدسي غني ، في فترة ما بعد الحرب وفي العشرينات ، والذي يمكن وصفه أيضا بأنه مجتمع طرب ومتعة ؛ حفلات ليلية من تجمعات الندماء والرقص والتدخين . . . تتكرر على امتداد المخطوطة . وقد قدّمت العائلة مساهمة كبيرة لهذا الوسط الفني الاحتفائي من خلال افتتاح مقهى جوهرية سنة 1918 ، بالقرب من المجمّع الروسي عند المدخل الجنوبي لطريق يافا . وقد جلب خليل ، شقيق واصف ، إلى هذا المقهى - البار مهارات كان اكتسبها في بيروت في أثناء خدمته في الجيش العثماني . وقد شملت هذه تقديم وجبة " مزة " خاصة مع طلبات العرق والماء المثلج ، الأمر الذي كان تجديدا في القدس ، وأصبح ممكنا مع إدخال مولدات الطاقة الكهربائية . وخلال أشهر على افتتاح المقهى ، أصبح نقطة جذب رئيسية للباحثين عن الطرب في أنحاء المدينة كافة . واشتهر باستقدام أفضل المغنين إلى البلد ، بمن فيهم الشيخ أحمد طريفي ، ومحمد العاشق ، وزكي أفندي مراد ، وبديعة مصابني . وتعود علاقة واصف ببديعة مصابني ، وزوجها نجيب الريحاني ، إلى هذه الفترة . وكانت مصابني تزور يافا في زيارات فنية من حين إلى آخر في أثناء الصيف ، في طريقها من القاهرة إلى بيروت ، وأحيانا قد تصل إلى القدس . بداية ، التقاها واصف في صيف سنة 1920 ( صفحة 361 ) ، عندما كانت تؤدي دورها الفني على مسرح / ومقهى المعارف خارج بوابة الخليل مباشرة . وهو يسجل عددا من مقطوعاتها الغنائية / الراقصة التي كانت تؤدّيها بلباس شفاف . كما أدت عددا من أغاني سيد درويش - التي كانت لها شعبية كبيرة - وخصوصا سخريتها الاجتماعية بالأغنياء " الحق عل الأغنيا " . وكان أحد المقاطع الشعرية الذي غالبا ما يلهب جمهور مستمعيها الذي يطالب بإعادته هو : إمتى بقي نشوف قرش الشرقي * يفضل ببلده ولا يطلعشي